عصام واعيس
أكتب لأمسك بخيط ما يجري في هذا العالم، وأنقل الخيط ليد القرّاء يفتلون منه ما يشاؤون من عبر وآراء
أكتب لأمسك بخيط ما يجري في هذا العالم، وأنقل الخيط ليد القرّاء يفتلون منه ما يشاؤون من عبر وآراء
هنا عبَرات ونظَرات من أعمالي..
نشرات بريدية (صور شاشة)
حوارات باللغة الإنجليزية مع هارفارد بزنس ريفيو العربية
بودكاست
حوارات وبروفايلات مكتوبة (1)
متابعات: انتخابات 2026
حوارات وبروفايلات مكتوبة (2)
برامج إذاعية
نشرة أخبار
حلقة من بودكاست هوس (Geek) وفيه أخبار متفرقة عن التكنولوجيا
نشرة أخبار خاصة عن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات
قراءات ودلائل
أعمدة
حبر الختام - مجلة لسان المغرب
أعمدة
الرأي الأسبوعي - صحيفة أخبار اليوم
الكتابات المسيلة للدموع
عصام واعيس
"إن الإنسان الذي يستطيع أن يعذبك هذا العذاب كله، أن يشقيك هذا الشقاء كله عبر رواية، مجرد رواية ، لابد أن يكون روائياً موهوباً، تحبه لموهبته وتكرهه لأنه يذكرك بالمأساة الإنسانية" . غازي القصيبي عن إبداع عبده خال في رواية "الموت يمر من هنا".
***
حين تبني أفق انتظار في خيالك، تزرع فسيلة حزن في قلبك. تزرع لغما في طريق عودتك من ذاك الأفق، وقت نزولك من الشجرة. وساعتها يكون طريق العودة محفوفا بالمخاطر، والبقاء مقرونا بتعاسة كبيرة. فالأفق لم يأتي على ما اشتهاه القلب، وطريق العودة قد تحصد روحك. الغريب في هذا المأزق الشعوري أن السبب الوحيد فيه هو خيال البشر الخصب والساذج وذاك الشغف برسم سيناريوهات يتصرف فيها الآخرون على مقتضى أهوائنا وعلى مقتضى النهايات الآسرة. الكُتّاب يكسروننا مرات عديدة مستغلين هذه الثغرة في النفس. ولا يكسروننا إلا بعد أن يكسروا أنفسهم ابتداء.
كم من كاتب بكى على موت شخصية متخيلة؟ كم من كاتب سيناريو شعر بغبن كبير لأن المخرج أو ظروف الإنتاج تطلبت قتل شخصية في منتصف الطريق؟ الأفق الجميل يقترن بشقاء كبير في طريق العودة منه. العودة التي تعني المرور فوق ذاك اللغم المدمر الذي تحدثنا عنه في البداية. وفي الغالب ما نضطر للعودة، للنزول من الشجرة، وهنا يحدث التمزق الشعوري. ربما يتطلب بناء الذات شيئا من هذه التمزقات الشعورية. ولا أقوى من الكتابات المسيلة للدموع في هذا المضمار. هذا الصنف من السير والروايات الذي اختص في نقل صرخة المعذبين في الأقبية المظلمة والمسجونين بلا عدالة ورمق المرضى الأخير. لعلك ترق ولعل دمعة تسيل من عينيك. ودموع القرّاء دموع مباركة. على أن الدموع لا تُرى دائما، قد تنزل بأشكال أخرى، أخف من "ملح المدامع"، وأرق من حبة الخردل.
يمكن النظر لهذا العمود باعتباره تحية تقدير وعرفان متناثرة على فقرات لكل الكتاب الذين قرأت لهم أعمالا في هذا الصنف الذي أسمّيه بالكتابات المسيلة للدموع أو شذرات ألم متفرقة كان لزاما أن تُدوّن. أتوجس من سرد الأسماء مخافة إثارة حنق قارئة أو قارئ على نسيان من يراه مبدعا في هذا الميدان، لذا أفتح نافذة صغيرة لأسماء كبيرة من قبيل طه حسين وحنا مينه وعبده خال وربيع جابر والطيب صالح وغسان كنفاني ومحمد حسن علوان ويوسف فاضل وأترك له فتح باقي نوافذ البيت للبقية..فبيت الكتابات الحزينة فسيح.
على القارئ الانتباه هنا إلى أن مكمن الجمال يقع في بناء تجربة جمالية من صميم الألم. بعض الكتاب وهم يفعلون ذلك كانوا هم أنفسهم يقومون بشكل من أشكال التسامي النفسي (sublimation) الذي يتجاوز فكرة التسامي الجنسي التي نظر إليها سيجموند فرويد إلى البحث عن إيقاد شمعة في الظلام. ويصير الأمر أكثر "تشويقا" إذا علمنا أن هناك حالات تنتقل فيها عدوى التسامي هاته إلى القارئ من شخصية خيالية. في حالات أخرى، تكون قراءة مثل هذه الروايات محفوفة بالمخاطر النفسية أو على الأقل هذا ما يقوله البعض. لذا لا يجب أن يُفهم هذا المقال على أنه دعوة لقراءة روايات حزينة أو إيلائها مكانة الصدارة من باقي الأجناس الروائية بقدر ما هو دعوة إلى تأمل الجوانب الجمالية فيها وفي الدموع التي تثيرها.
فالدموع تحمي العين من الجراثيم والجفاف والعمى، والكتابات المسيلة للدموع تحمي القلب من الجراثيم والجفاف والعمى
عصام واعيس
يستطيع الممثل الموهوب رفيق بوبكر أن يقنعك بأن التحرش أنواع، وأنه في الأصل فعل حميد (وهو خلاف ذلك طبعا) ، وبقليل من الكياسة و"بكلمة منك وكلمة منها" يمكن أن تفتحا أسرة وتحاربا الوحدة والغربة والإحباط، يشوش على قضية نسائية كبرى بمزاج "رائق" وأريحية لاذعة. حين تغضب الحركة النسائية يزيد رفيق من حدة الحوار الدرامي بين المواقف والآراء المتنازعة في ساحات النقاش، متحدثا ، هذه المرة، عن مزايا التعدد ويأتي لك بإحصاءات وأرقام من خياله الفني الجميل، بسخرية متدرّجة الألوان، عن العزوبة والعنوسة والطلاق والزواج وحماقات المغاربة.. المغاربة الذين يحبهم ولا يفخر بغير حبهم، ويحدثهم بلا حواجز خطابية ولا بروتوكولات كثيرة.
حين يتحدث عن السينما يميز جيدا بين السينما الأجنبية والمغربية، المحترفة والهاوية، الرخيصة والرفيعة. يحكي للمغاربة عن تماسيح وعفاريت وعُصب السينما المغربية، يقرب الجميع من جلسات "الكاستينغ" وأجواء الإمتاع والمؤانسة التي تمر فيها بعضٌ منها، يحدثك عن أصحاب الكروش المندلقة والوجوه المتبلّدة التي يقع عليها الاختيار لأداء أدوار البطولة على حساب الكفاءات الفنية الشابة. يتقاسم مع المغاربة مشاكل قطاع السينما والوقائع الغريبة والمضحكة التي تخترق عوالمه المعتمة.
هذا لا يعني أن رفيق لا يحب مهنته. رفيق ممثل فخور بتكوينه السينمائي بإيطاليا وبلغته الفرنسية وباشتغاله مع مخرجين أجانب مرموقين وبرسالة السينما والفن عموما، ولعل هذا الحب المفرط هو ما يدفعه إلى ذاك النقد اللاذع. يغار على هذه المهنة التي يحبها ويأسف وهو يرى حفلات سرقة المال العام التي تقام باسمها، وعلى الملايين التي تذهب من ميزانية الدولة بحجة صناعة الأفلام، وهي في الحقيقة تذهب إلى صناعة ثروات وأمجاد حفنة مقرّبة تنتج الرداءة بإتقان خطير.
رفيق بوبكر فنان متمرد بالسجية، ثائر وساخر، يستقبل الوقائع الغريبة برؤية أكثر غرابة وقلب أبيض ولسان لاسع. ولأني أحب رفيق بوبكر، وأشفق على حال السياسة وعلى أحزاب السلطة وعلى الصحافيين والرأي العام من هذا الجو السياسي الممل والكئيب. ولأن السيد بنكيران صار مقلّا في خرجاته قياسا إلى الماضي، ولأن السيد العثماني متمسك بأسلوبه الهادئ ، لأن الرجل هو الأسلوب طبعا، ولأن السيد نزار بركة أكاديمي أنيق وهادئ وبعيد تماما عن جو "الحروب النقابية" لسابقه السيد شباط، ولأن الاتحاد الاشتراكي حزب بلا قيادة تقريبا، ولأن السيد أخنوش يتحدث كهديل الحمام مع "راء" بورجوازية رنانة، ولأن الأصالة والمعاصرة لا زال يعاني من خطيئة الولادة، ولأنه، بخلاصة، العرض من رجل من طينة هذا الممثل ضعيف جدا إلى منعدم في سوق السياسة، أرى أن الحل المناسب هو أن يتحول رفيق بوبكر إلى "الرفيق" بوبكر.
أقترح على كل هذه الأطراف التي تصنع الكآبة والملل التنافس على استقطاب رفيق بوبكر إلى صفوفها. وفي حالة الاتحاد الاشتراكي مثلا، أقترح تعيينه مباشرة كاتبا أولا للحزب في انتخابات سينمائية جميلة. رفيق وجه سينمائي محبوب والاتحاد يمر بمرحلة سخرية سينمائية قاتمة، ورفيق سيمثل حلا لخروج الاتحاد من وضعه السياسي الغريب مستفيدا من غرابة بوبكر الساخرة والساحرة. في أول خطاب له سيفضح الرفيق بوبكر كل شيء ويخرج كل ما يدور وراء "الكواليس" إلى علم المغاربة. وقد يتفوق على السيد بنكيران في ذلك، لكن الأهم أنه سيأتي إلى حزب بلا قاعدة، بقاعدة بلا حزب. تلك القاعدة التي تحب رفيق بوبكر، والتي ستناديه بعدها الرفيق بوبكر..
أما إن اختار "الرفيق" الأصالة والمعاصرة فلا شك سيستطيع أن يقنعنا أن "البام" حزب حداثي وديمقراطي يدافع عن الحريات الفردية والجماعية وحقوق الإنسان والانتخابات الحرة والنزيهة وأن الصراع الجاري داخله الآن صراع ديمقراطي أصيل.
لكن لا أظن أن رفيق يختار حزب التجمع الوطني للأحرار لأن الرفيق يحلّق عاليا، ربما على ارتفاع يفوق ارتفاع الحمام، ولا أظنه أيضا يقدم على حماقة الانضمام إلى العدالة والتنمية لأن ذلك سيعني نهاية باقي الأحزاب..بنكيران من جهة وبوبكر من جهة أخرى، ماذا بقي من السياسة؟
عصام واعيس
من الأمور الاستثنائية في المغرب أن شكايات وتظلمات وصرخات المواطنين التي تُترك لتعلو ثم تخبو في سماء الأحزان، لتطفو ثم ترسب في بحر الظلمات، هي نفسها الشكايات والاختلالات واللامبالاة العامة التي تدوّنها أقوى مؤسسات الدولة، لله ثم للتاريخ. يمكن أن نقرأ التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات بحنق شديد من كل المؤسسات والهيآت والبرامج، ونطالب بتنفيذ القانون والمحاسبة، ونستغرب، مع الإعلام الذي يستغرب، من هذه الوقائع المالية الغريبة، وكأنه حدث غير مسبوق في صنفه. يمكننا أن نتحدث وكأن تقارير الحسابات السابقة، سواء جاءت من مؤسسة دستورية أو جهاز تفتيش آخر أو جمعية معنية بالنزاهة وحماية المال العام، كانت تنتهي بملاحقات قضائية ومحاكمات مشوقة وتفجير أسرار وسقوط شبكات بعد تحقيقات وتحريات من تلك التي نرى في سيناريوهات هوليود أو تلك التي تحدث في واقع الأمم المتقدمة.
لا شيء من هذا يحدث طبعا. لا شي من هذا حدث إلى الآن. مع ذلك، هذه الحساسية من روائح الفساد الإداري وتردي الخدمات والتخلف والنهب تعبير عن رأي عام حي. علامة صحية. طيب كيف يمكن أن نقرأ هذه التقارير الرسمية التي تتحدث بلسان المغاربة؟ سأتفادى الربط بين مضامين التقرير وبين الإعداد المحتمل لإسقاط أسماء ووجوه بعينها من مؤسسات ووزارات هنا. سأحاول أن أبحث في مداخل أخرى ممكنة لهذا الوضع الغريب الذي نعيشه جماعة انطلاقا من رمزية التقرير، أن أتأملّ مع القارئ هذه الذات الجماعية التي تعذب أفرادها كلما أمسكت مسؤولية بقسم ولادة أو مديرية مالية أو مصلحة شساعة او شركة عمومية او منصب عمومي صغر شأنه أو كبر، كلما وجدت نفسها بين داعي مراكمة المال على حساب البقية وداعي التعفف لحساب البقية.
تقرير المجلس الأخير يتبع منطقا معينا في ممارسة الدولة للرقابة. مجلس يقوم بمهام رقابية على مستوى عال من الدقة، يقدم الفرصة للمؤسسات موضوع هذه المهام بتقديم تبريراتها وأجوبتها على ملاحظاته، يحيل القضايا التي يرى أنها قد تستوجب عقوبات جنائية على النيابة العامة. في العام الماضي مثلا، أحال الوكيل العام للملك لدى المجلس ثمانية قضايا تتعلق بأفعال قد تستوجب عقوبة جنائية على رئاسة النيابة العامة.
بعد ذلك، يبقى أن المجلس يشتغل، بمنطقه هذا ومهامه ودقته وصرامته القانونية، داخل المغرب وليس في بريطانيا. فحين يكشف المجلس تخلف الممارسات عن القواعد القانونية الناظمة لها فهذا يعني تخلف المكلفين بتنفيذ هذه الممارسات (أي نحن المغاربة في الغالب) عن نصوص القانون، مقابل خضوعهم (أي نحن المغاربة أيضا، وإن آلمت هذه 'النحن') لسلطات رمزية أخرى هي سلطات النفوذ والقرابة والعرف. علاقة الولاء والخضوع لهذه السلط أكبر من قدرات المجلس ومهامه وأكبر من متمنيات المغاربة أو ذاك الجزء اليقظ من الرأي العام أو ذلك الجزء الذي ينشد التغيير داخل السلطة.
فحصَ المجلس حوالي ست مؤسسات صحية بمناطق جغرافية متباعدة وخرج بملاحظات متشابهة في عمومها. هناك ثقافة وعرف، غير سليمين طبعا، بل فاسدين تماما، يتكرّران هنا وهناك ويضعان كل القوانين المنظمة للعلاقات في ثلاجة الموتى. تشعر أن "المغربي" وهو في جلباب مهنة من مهن الدولة أو مسؤولية من مسؤولياتها لا يطبق القانون إلا في حدود دنيا وكأنما بشكل قسري. هناك نمط تدبيري يتكرر في قطاعات مختلفة سمته الأساسية تكييف النص القانوني مع الممارسة الانتهازية، مع التملص من المهام، ونادرا حدا بسبب إكراهات واقعية. أحيانا ممكن أن يعمد البعض إلى تعطيل قانون ما مراعاة لظروف معقولة تحقيقا لمصلحة أكبر وأشمل. يحدث هذا. لكن يحدث في الغالب أن يُعطل القانون بكل بساطة لأسباب انتهازية ورضوخا للعرف الساري بين دهاقنة هذه الإدارة أو تلك..
وكيف يُعطّل القانون؟ بعدم الالتفات إليه من البدء، بنسيان وجوده، بعدم تسجيل محاضر الاجتماعات أو أسماء وتواريخ دخول وخروج المرضى أو نوعية العلاجات أو المقتنيات أو أسعارها أو الغياب عن المداومات أو تحويل أسرّة المرضى إلى أقسام الممرضين المداومين، أو بقيادة برنامج وطني ضخم في قطاع رئيس ببركة الأولياء والخطابات الرنانة وشبكة من الأقارب في إدارة البرنامج...
الداعون للمحاسبة والعقاب يريدون أن تتحقق معجزة ما وتأتي قوة خارقة ، قضائية أو سياسية أو رمزية، وتقضي على هذه البيئة الثقافية التي تجذرت وشكلت نمطا يمكن اقتفاء أثره في قطاعات مختلفة. شبكة انتهازية أسست فضاء لا قانونيا بجوار الفضاء القانوني المنظم لعلاقاتها المهنية. هل يمكن للقانون أن يتصدى لهذا الواقع؟ صعب، قد يقلّصه أو يحد منه على أبعد تقدير. لقد وصلنا إلى مرحلة صارت فيها نقابات من قطاعات حسّاسة جدا لحياة المغاربة، تكتب بيانات وتمارس الابتزاز للحفاظ على بيئات ريعية ومكتسبات غير قانونية نهارا جهارا.الدولة نفسها تبدو أحيانا وكأنها تتوسل بعض أصحاب المهن الحرة لأداء ما عليهم من ضرائب، بل هناك فساد حتى باسم القانون مثل استمرار النواب في التردد بشأن المادة الثانية من مدونة الحقوق العينية التي تفتح نافذة خطيرة لمافيات السطو على العقارات، وهذا اسمه الفساد باسم القانون، وليس خارج القانون، وهو قضية أخرى، يصنعها مغاربة أيضا، لكن بإمكانات "تشريعية" أقوى..
ما الحل؟ أن ترسل الدولة كل هؤلاء إلى السجن؟ كم عددهم؟ هل الأمر ممكن حتّى؟ كم ستدوم المحاكمات؟ هل ستكون حملة تطهير أم حملة تغيير؟ لا أعلم، لكن أكيد أننا، نحن المغاربة، متورطون في كل هذا، والدولة متورطة معنا بشكل أكيد أيضا، وأحلامنا وآمالنا أسيرة لكل هذا كذلك. الدولة تصنعنا بقدر ما نصنعها ونحن والدولة نصنع المغرب في المحصلّة، ومن أجل ثمرة هذه الصناعة المشتركة نحتاج إلى أن نصنع الدولة بأكثر مما تصنعنا
للتواصل معي