جيل تيك توك تعبير صغير عن ظاهرة كبرى. ظاهرة اكتساح الفيديو للمكتوب بشبكات التواصل الاجتماعي. هذه تقريبا الخلاصة التي وصلنا إليها في الجزء الأول من هذا المقال. وهذه خلاصة مرعبة. لا نتحدث هنا عن المحتوى السمعي البصري الاحترافي، وإنما عن الفيديو وسيلة قصوى للتفاعل مع العالم والتعبير وتقدير الذات والآخر. نتحدث عن جيل قد يكبر وهو لا يكتب بشكل سليم، لكنه يتقن رقصة "نانانا" وينظر للنجاح والقيمة والإنجاز من زاوية إتقان هذه الرقصة وأناقة الزي وجمال الجسد.
طيب ما أخطار هذا الهوس؟ ما تبعات عالم يقدّس الصورة؟ حتى صار "التكشف في المجتمع المعاصر مسألة وجودية"، "إذ يتعيّن على كل فرد فرد أن يتكشّف ويُنظر إليه، حتى يعتبر موجودا"، لأن "الوجود في الظهور والعدم في الخفاء".
من تبعات هذا الهوس بالجسد الذي تحفز عليه مثل هذه التطبيقات التي تركز على الصورة هو تعلق الإنسان "المتكشف" بجسمه حتى "(...) يصير الجسم في تجربته النفسية والاجتماعية بمنزلة القيمة العليا التي يتعين عليه التحقق بها، بل بمنزلة الخير الأسمى الذي ينبغي أن يرتقي إليه باكتساب خصائل محمودة تناسبه، مستبدلا بفضائل النفس فضائل الجسم" !
يحدد طه عبد الرحمان ، الفيلسوف الذي تعود له الاقتباسات أعلاه، آفات هذا الهوس ب"الظهور الاجتماعي" في ثلاث أساسية: "التبعية" و"الإكراه" و"الضحالة". تعني آفة التبعية " أن ثبوت وجود الفرد يكون معلّقا بنظر الآخَر (...) وقد قيل لا أكون شيئا إذا لم يراني الآخَر"، والثانية، أي آفة الإكراه، فتعني أنه "مهما ادّعى الفرد من أنه مخيّر في تكشّفه فليس الأمر كذلك، بل هو في الحقيقة، مجبر عليه، لأنه يشعر بأنه في حكم المعدوم لو أنه حفظ باطنه ولم يظهره، أو كتم سّره ولم يفشه ، وما يكون في حكم المعدوم لا حظ له في فرص التعامل مع الآخرين(...)". ألا نجد أنفسنا أحيانا مجبرين على فتح حسابات تواصلية نحن في غنى عنها؟ ألم يعد فايسبوك مثلا مثل بطاقة تعريف وطنية على الانترنت؟
أما الآفة الثالثة فهي آفة الضحالة ولها وجهان، الأول هو "الاستغناء بالصورة عن القول، إذ يجعل (الإنسان) صورته شاهدة على قوله بَدَل أن يكون قوله شاهدا على صورته، بل يجعلها ناهضة بوظائفه البيانية، بدءا بالتوصيف وانتهاء بالتدليل، إذ يعتبر أنه يكفي أن يُلقي الآخر ببصره إلى المبثوث من صُوره، لكي يعلم حقيقة أوصافه وأفكاره".
والوجه الثاني للضحالة يتصل ب"الاستغناء بالجسم عن النفس، إذ يجعل جسمه شاهدا على نفسه بدل أن تكون نفسه شاهدة على جسمه، بل يجعله ناهضا بأحوالها الوجدانية، بدءا برغائبها وانتهاء بمشاعرها، إذ يعتبر أن نظر الآخر لا ينفذ إلى نفسه إلا من خلال جسمه".
لن أسترسل في تعداد أوجه خطورة اعتناق هذا الهوس، ولمن شاء تأملا أكبر في هذه القضية العودة إلى كتاب "التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال" للعلاّمة طه عبد الرحمان. سأركز في ما تبقى من كلمات على كيفية التعامل مع الوضع وانعكاساته على الإنسان وقيمه والمجتمع وتماسكه.
في نظري، نحن بحاجة إلى ملأ حياة التلميذ/ الطالب/ الإنسان/ المغربي/ العربي بالمعنى والقيمة. على الكل المساهمة في بناء "سيرة حياة" عامرة بحق. عامرة بالمخيمات التربوية والندوات العلمية والفكرية والعروض الموسيقية وورشات تعليم الكتابة والبرمجة والهندسة والسفر والمسرح والتطوع. على المجالس المنتخبة والبورجوازية الوطنية والمحسنين الصغار الإسهام بتنسيق مع وزارة التربية الوطنية أو الجامعات في تحمل تكاليف هذه الأنشطة.
بهذا الشكل، أي إذا كان الإنسان على قدر مقبول من المعرفة والعلم والتأهيل والانفتاح، ستصير مسألة استخدامه ل"تيك توك" أو "فايسبوك ووتش" بلا انعاكسات فادحة على ذاته ومجتمعه. ستكون لها انعكاسات، لكنها ستظل أخف ضررا وستكون جزءا من نقاش فلسفي عالمي عميق حول تأثير هذه الوسائط على وجهة الإنسانية. أما إذا كان مدار وجود الإنسان قائما على التقليد والاتّباع والاعتداد بالجسم والزي وعرض الجسم مع فراغ علمي مهول وضحالة فكرية وأوقات تسفك بين المقاهي ونجوم البلاهة، فسيكون الأمر مكلّفا ومنذرا بالخراب.
يجب أيضا تنبيه هذا الجيل الصاعد إلى الآثار الجانبية للافتتان بالصورة. هل تعلم مثلا أنك حين تسجّل نفسك في لحظة ضعف أو جنون، في موقف معين، في سنّك الصغير هذا، هل تعلم أن هذه اللحظة قد تلاحقك طيلة حياتك؟ وهل تعلم أن السخرية من إنسان قد تقوده إلى الانتحار؟
وأخيرا، على الجميع الدفاع عن الكلمة، ففي البدء كانت الكلمة.